فهي سلسلة من الاتهامات ، حلقة بعد حلقة ، يواجهون بها الآيات البينات كي يحولوا بينها وبين القلوب. ولا دليل لهم على دعواهم. ولكنها جملة من الأكاذيب لتضليل العامة والجماهير. أما الذين كانوا يقولون هذا القول وهم الكبراء والسادة فقد كانوا على يقين أنه قرآن كريم ، فوق مقدور البشر ، وفوق طاقة المتكلمين! وقد سبق في الظلال ما حدث به بعض هؤلاء الكبراء بعضاً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر القرآن ؛ وما دبروا بينهم من كيد ليصدوا به الجماهير عن هذا القرآن الذي يغلب القلوب ويأسر النفوس!
وقد كشف القرآن أمرهم ، وهو يقرر أنهم أميون لم يؤتوا من قبل كتاباً يقيسون به الكتب ؛ ويعرفون به الوحي ؛ فيفتوا بأن ما جاءهم اليوم ليس كتاباً وليس وحياً ، وليس من عند الله. ولم يرسل إليهم من قبل رسول. فهم يهرفون إذن بما لا علم لهم به ويدعون ما ليس يعلمون:
{وما آتيناهم من كتب يدرسونها ، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} !
ويلمس قلوبهم بتذكيرهم بمصارع الذين كذبوا من قبل. وهم لم يؤتوا معشار ما أوتي أولئك الغابرون. من علم ، ومن مال ، ومن قوة ، ومن تعمير.. فلما كذبوا الرسل أخذهم النكير. أي الهجوم المدوي المنكر الشديد:
{وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي. فكيف كان نكير؟} ..
ولقد كان النكير عليهم مدمراً مهلكاً. وكانت قريش تعرف مصارع بعضهم في الجزيرة. فهذا التذكير يكفي. وهذا السؤال التهكمي {فكيف كان نكير؟} سؤال موح يلمس المخاطبين. وهم يعرفون كيف كان ذلك النكير!
وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق ، ومعرفة الافتراء من الصدق ، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل:
{قل: إنما أعظكم بواحدة.. أن تقوموا لله مثنى وفرادى ، ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة. إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} ..