{قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين} !
فهو التخلي عن التبعة ، والإقرار بالهدى ، وقد كانوا في الدنيا لا يقيمون وزناً للمستضعفين ولا يأخذون منهم رأياً ، ولا يعتبرون لهم وجوداً ، ولا يقبلون منهم مخالفة ولا مناقشة! أما اليوم وأمام العذاب فهم يسألونهم في إنكار: {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟} .. {بل كنتم مجرمين} .. من ذات أنفسكم ، لا تهتدون ، لأنكم مجرمون!
ولو كانوا في الدنيا لقبع المستضعفون لا ينبسون ببنت شفة. ولكنهم في الآخرة حيث تسقط الهالات الكاذبة والقيم الزائفة ؛ وتتفتح العيون المغلقة وتظهر الحقائق المستورة. ومن ثم لا يسكت المستضعفون ولا يخنعون ، بل يجبهون المستكبرين بمكرهم الذي لم يكن يفتر نهاراً ولا ليلاً للصد عن الهدى ؛ وللتمكين للباطل ، ولتلبيس الحق ، وللأمر بالمنكر ، ولاستخدام النفوذ والسلطان في التضليل والإغواء:
{وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار ، إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً} ..
ثم يدرك هؤلاء وهؤلاء أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء ، ولا ينجي المستكبرين ولا المستضعفين. فلكل جريمته وإثمه. المستكبرون عليهم وزرهم ، وعليهم تبعة إضلال الآخرين وإغوائهم. والمستضعفون عليهم وزرهم ، فهم مسؤولون عن اتباعهم للطغاة ، لا يعفيهم أنهم كانوا مستضعفين. لقد كرمهم الله بالإدراك والحرية ، فعطلوا الإدراك وباعوا الحرية ؛ ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً ؛ وقبلوا لأنفسهم أن يكونوا مستذلين. فاستحقوا العذاب جميعاً ؛ وأصابهم الكمد والحسرة وهم يرون العذاب حاضراً لهم مهيأ:
{وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} ..
وهي حالة الكمد الذي يدفن الكلمات في الصدور ، فلا تفوه بها الألسنة ، ولا تتحرك بها الشفاه.
ثم أخذهم العذاب المهين الغليظ الشديد:
{وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} ..