وهذا هو اللائق بعموم رسالته وإن خالف في ذلك الجلال المحلي في"شرحه على جمع الجوامع"، وفي عموم رسالته صلى الله عليه وسلم فضيلة على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلئن كان داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال له والطير وإلانة الحديد وسليمان عليه السلام بما ذكر له ، فقد فضل محمد صلى الله عليه وسلم نبينا بإرساله إلى الناس كافة ، والحصا سبح في كفه ، والجبال أمرت بالسير معه ذهباً وفضة ، والحمرة شكت إليه أخذ فراخها أو بيضها ، والضب شهد له بالرسالة والجمل شكا إليه وسجد له ، والأشجار أطاعته والأحجار سلمت عليه وائتمرت بأمره وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر ، وإنما ذكرت ذلك تبركاً بذكره صلى الله عليه وسلم وأنا أسأل الله تعالى أن يشفع في وفي والدي وجميع أحبابي وبقية المسلمين أجمعين.
ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار وكان في ذكرها رد لقولهم في الكذب والجنون قال تعالى {بشيراً} أي: مبشراً للمؤمنين بالجنة {ونذيراً} أي: منذراً للكافرين بالعذاب {ولكن أكثر الناس} أي: كفار مكة {لا يعلمون} فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
ولما سلب عنهم العلم اتبعه دليله كقوله تعالى معبراً بصيغة المضارع الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد.
{ويقولون} من فرط جهلهم بعاقبة ما يوعدونه {متى هذا الوعد} أي: البشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعداً زيادة في الاستهزاء.
ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول وأبعد عن الرد من قول الواحد أشار إلى زيادة جهلهم بقوله تعالى: {إن كنتم} أي: أيها النبي وأتباعه {صادقين} أي: متمكنين في الصدق.