فإن قيل: ما معنى قوله {أروني} وكان يراهم ويعرفهم أجيب: بأنه أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى وأن يقاس على أعينهم فيه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به.
ولما بين تعالى مسألة التوحيد شرع في الرسالة بقوله سبحانه وتعالى:
{وما أرسلناك} أي: بعظمتنا {إلا كافة للناس} أي: إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام ، وقول البيضاوي: ولا يجوز جعلها حالاً من الناس أي: لأن تقديم حال المجرور عليه كتقديم المجرور على الجار رده أبو حيان بقوله: هذا ما ذهب إليه الجمهور وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه وهو الصحيح انتهى. وهذا هو الذي ينبغي اعتماده ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم"كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"ومن أمثلة أبي علي: زيد خير ما يكون خير منك والتقدير: زيد خير منك خير ما يكون وأنشد:
*إذا المرء أعيته المطالب ناشئاً ** فمطلبها كهلاً عليه شديد*
أي: فمطلبها عليه كهلاً وأنشد أيضاً:
*تسليت طراً عنكم بعد بينكم ** بذكراكم حتى كأنكم عندي*
أي: عنكم طراً ، وقيل: أنه حال من كاف أرسلناك والمعنى: إلا جامعاً للناس في الإبلاغ والكافة بمعنى الجامع ، والهاء فيه للمبالغة كهي في علامة ورواية قاله الزجاج.
وقيل: إن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إرسالة كافة قال الزمخشري: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم قال أبو حيان: أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما نقلوا ، ولا يحفظ أيضاً استعمالها صفة لموصوف محذوف
قال البقاعي: وأما الجن فحالهم مشهور أي: أنه أرسل إليهم ، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور انتهى.