الزخرف 87. والشك يعني عدم الجزم وعدم اليقين، وبيَّنا ذلك بأن نسَبَ الكلام في الكون ست، لكل ثلاث منها اتجاه، فالكلام بداية علَّمَ الله سبحانه آدم الأسماء كلها ليتفاهم بها مع غيره، فالكلام يقتضي متكلماً ومُخاطباً، ولا بُدَّ أن يكون المخاطب على علم بمدلول الكلام، بدليل أن العربي لا يفهم الإنجليزي، ولا الإنجليزي يفهم العربي، لا بُدَّ من علم بالتواضع في اللغة ليفهم كل منهما عن الآخر. والكلام المفيد هو الجملة التي يحسُن السكوت عليها، بأن تعطي معنى مفيداً، فلو قُلْت مثلاً محمد فهي مفردة من مفردات اللغة لا تعطي معنى إلا بنسبة، فتقول محمد كريم، فأسندتَ الكرم إلى محمد، وهذا معنى تام، يحسُن السكوت عليه.
وإسناد الكرم لمحمد هو مُعتقد المتكلّم به، فإنْ كان لهذا الكلام وجود بالفعل بأنْ وُجد شخص اسمه محمد، وصفته الكرم، فهذا الكلام المعتقد جازم بالحكم والحكم واقع، فإنْ كان المتكلم غير جازم بالحكم، متردداً فيه فهذا شك، فالشك فيه نسبة متأرجحة بين النفي والإثبات بحيث تتساوى الكفتان، فإنْ رجحت واحدة فهي ظن، والأخرى المرجوحة وهم. إذن كم نسبة للكلام غير المجزوم به؟ ثلاث الشك والظن والوهم. أما الكلام المجزوم به فإنْ كان له واقع، وتستطيع أنْ تدلل عليه فهو علم، وإنْ لم تستطع أنْ تُدلل عليه فهو تقليد، وإن جزمتَ به وليس له واقع فهذا جهل، وهذه الثلاث نِسَب الكلام المجزوم به علم، وتقليد، وجهل. إذن الكفار جازمون معتقدون في أن الله هو الخالق، لكنهم شاكُّون في مسألة البلاغ عن الله، وأنها جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ} سبأ 54 الشك ذاته يُوقِع في الارتياب والقلق. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 12381 - 12402} .