قال الله تعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} يقول لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة {مِّنْ أَقْطَارِهَا} جوانبها ونواحيها ، واحدها قطر وفيه لغة أخرى قطرٌ وأقطار .
{ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة} الشرك {لآتَوْهَا} قراءة أهل الحجاز بقصر الألف ، أي لجاؤوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام وكفروا ، وقرأ الآخرون بالمدّ ، أي لأعطوها . وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} وما احتبسوا عن الفتنة {إِلاَّ يَسِيراً} ولأسرعوا الإجابة إليها طيبة بها أنفسهم ، هذا قول أكثر المفسِّرين ، وقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلاّ قليلاً حتى يهلكوا {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ} أي من قبل غزوة الخندق {لاَ يُوَلُّونَ} عدوّهم {الأدبار} .
وقال يزيد بن دومان: هم بنو حارثة همّوا يوم أحُد أنْ يفشلوا مع بني سلمة ، فلمّا نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أنْ لا يعودوا لمثلها أبداً ، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم ، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ ، فساق الله ذلك إليهم في ناحية المدينة.
وقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلاً بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وقالوا له: اشترط لربّك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي (عليه السلام) :"اشترط لربّي أنْ تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأشترط لنفسي أَنْ تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم ، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يارسول الله؟ قال: لكم النصر في الدّنيا والجنّة في الآخرة"
قالوا: قد فعلنا ، فذلك عهدهم.