فأقام رسول الله صلّى الله عليه وأقام المشركون عليه بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر ، ولم يكن بين القوم حرب إلاّ الرمي بالنبل والحصى ، فلمّا اشتدّ البلاء على الناس ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينه بن حصين وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أنْ يرجعا بمَنْ معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، تجرى بينهم وبينه الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه . فقالا: يارسول الله أشيء أمرك الله به لابدّ لنا من العمل به أم أمر تحبّه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا؟ قال: لا بل لكم والله ما أصنع ذلك ، إلاّ إنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كلّ جانب ، فأردتُ أنْ أكسر عنكم شوكتهم.
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم ولا يطمعون أنْ يأكلوا منها ثمرة إلاّ قري أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: فأنت وذاك ، فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثمّ قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون على حالهم والمشركون يحاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلاّ أنَّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله ضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب بن فهر قد تلبّسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ، ومرّوا على بني كنانة.