الرابعة: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهلِ تِهامة ، وأقبلت غَطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أُحُد ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى نزلوا بظهر سَلْع في ثلاثة آلاف وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين ، واستعمل على المدينة ابنَ أُمّ مَكْتوم في قول ابن شهاب وخرج عدوّ الله حُيَيّ بن أخطْب النضري حتى أتى كعب بن أسد القُرَظِيّ ، وكان صاحبَ عقد بني قريظة ورئيسَهم ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاقده وعاهده ؛ فلما سمع كعب بن أسد حُيَيّ بن أخطب أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له ؛ فقال له: افتح لي يا أخي ؛ فقال له: لا أفتح لك ، فإنك رجل مشؤوم ، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته ، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً ، فلست بناقض ما بيني وبينه.
فقال حُيَيّ: افتح لي حتى أكلمك وأنصرف عنك ؛ فقال: لا أفعل ؛ فقال: إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك ؛ فغضب كعب وفتح له ؛ فقال: يا كعب! إنما جئتك بعزّ الدهر ، جئتك بقريش وسادتها ، وغَطَفان وقادتها ؛ قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمداً ومن معه ؛ فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه! ويحك يا حُيَيّ؟ دَعْنِي فلستُ بفاعل ما تدعوني إليه ؛ فلم يزل حُيَيّ بكَعْب يَعِده ويَغُرّه حتى رجع إليه وعاقده على خِذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم ، وقال له حُيَيّ بن أخطب: إن انصرفت قريش وغَطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود.