الخامس: أن نور الشمس يعم جميع الخلائق، ونور المعرفة لا يصل إليه إلا بعضهم كنور المصباح الموصوف.
[741] فإن قيل: إنه تعالى لم يمثله بنور الشمس لما ذكرتم فكيف لم يمثله بنور الشمع مع أنه أتم وأكمل وأشرق من نور المصباح؟
قلنا: إنما لم يمثله بنور الشمع لأن في الشمع غشا لا محالة بخلاف الزيت الموصوف، ولو مثله تعالى بنور الشمع لتطاول المنافق المغشوش إلى استحقاق نصيب في المعرفة.
الثاني: أنه تعالى إنما لم يمثله بنور الشمع لأنه مخصوص بالأغنياء، بخلاف نور المعرفة فإنه في الفقراء أغلب.
[742] فإن قيل: التجارة تشمل الشراء والبيع، فما فائدة عطف البيع عليها في قوله تعالى: (لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: 37] .
قلنا: التجارة هي الشراء والبيع الذي يكون صناعة للإنسان مقصودا به الربح، وهو حرفة الشخص الذي يسمى تاجرا، والبيع أعم من ذلك. وقيل: المراد بالتجارة هنا مبادلة الآخرة بالدنيا، كما في قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [البقرة: 16] والمراد بالبيع مبادلة الدين بالدنيا كما في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: 9] . وقيل: إنما عطف البيع على التجارة لأنه أراد بالتجارة الشراء إطلاقا لاسم الجنس على النوع. وقيل: إنما عطف عليها للتخصيص والتمييز من حيث أنه أبلغ في الإلهاء؛ لأن البيع الرابح يعقبه حصول الربح، بخلاف الشراء الرابح فإن الربح فيه مظنون مع كونه مترقبا منتظرا. وقيل: التجارة مخصوصة بأهل الجلب بخلاف البيع.
[743] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) [النور: 45] وبعض الدواب ليس مخلوقا من الماء كآدم عليه السلام وناقة صالح وغيرهما؟
قلنا: المراد بهذا الماء: الماء الذي هو أصل جميع المخلوقات، وذلك أن الله تعالى خلق قبل خلق الإنسان جوهرة ونظر إليها نظر هيبة فاستحالت ماء، فخلق من ذلك الماء جميع الموجودات، وقد سبق مثل هذا السؤال في قوله تعالى: (مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا) [الأنبياء: 30] .
[744] فإن قيل: إذا كان الجواب هذا فما فائدة تخصيص الدابة بالذكر أو تخصيص الشيء الحي؟
قلنا: إنما خص الدابة بالذكر؛ لأن القدرة فيه أظهر وأعجب منها في الجماد وغيره.