المحرمية، إلا العم والخال، وهذا من الدلالة البليغة على وجوب الاحتياط في سترهن. ولقائل أن يقول: هذه المفسدة محتملة في آباء بعولتهن، لاحتمال أن يذكرها أبو البعل عند ابنه الآخر، وهو ليس بمحرم لها، وأبو البعل أيضا نقض على قولهم إن كل من استثني يشترك هو وابنه في المحرمية.
[739] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) [النور: 33] مع أن إكراههن على الزنا حرام في كل حال؟
قلنا: لأن سبب نزول الآية أن الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنا مع إرادتهن التحصن، فورد النهي على السبب وإن لم يكن شرطا فيه.
الثاني: أنه تعالى إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، لأن الأمة إذا لم ترد التحصن فإنها تزني بالطبع؛ لأن إرادتها الجماع مستمرة في جميع الأحوال طبعا، ولا بد له من أحد الطريقين.
الثالث: أن «إن» بمعنى إذ كما في قوله تعالى: (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة: 278] وقوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139] .
الرابع: أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن أردن تحصنا ويبقى قوله: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ) [النور: 33] مطلقا غير معلق.
[740] فإن قيل: كيف مثل الله تعالى نوره، أي معرفته وهداه في قلب المؤمن بنور المصباح في قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) [النور: 35] ولم يمثله بنور الشمس، مع أن نورها أتم وأكمل؟
قلنا: المراد تمثيل النور في القلب، والقلب في الصدر، والصدر في البدن
بالمصباح: وهو الضوء أو الفتيلة في الزجاجة، والزجاجة في الكوة التي لا منفذ لها، وهذا التمثيل لا يستقيم إلا فيما ذكر.
الثاني: أن نور المعرفة له آلات يتوقف على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظة وانشراح القلب وغير ذلك من الخصال الحميدة، كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة، وغير ذلك.
الثالث: أن نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي لا إلى العالم العلوي، ونور المعرفة يشرق متوجها إلى العالم العلوي كنور المصباح.
الرابع: أن نور الشمس لا يشرق إلا بالنهار ونور المعرفة يشرق بالليل والنهار كنور المصباح.