وقد جعل الله للشيطان دخولاً في جوف العبد، ونفوذًا إلى قلبه وصدره، فهو يجري منه مجرى الدم، ويتجول على سائر أعضائه وجوارحه.
وقد وكل بالعبد فلا يفارقه إلى الممات.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ» . قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلا أنَّ اللهَ أعَانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ فَلا يَأْمُرُنِي إِلا بِخَيْرٍ» أخرجه مسلم.
وقد وصف الله عزَّ وجلَّ الشيطان بأعظم صفاته، وأشدها خطرًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا، وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة.
فإن القلب يكون فارغًا من الشر والمعصية فيوسوس إليه الشيطان، ويخطر الذنب بباله، ويشهيه له، فيصير شهوة، ويزينها له ويحسنها، ويخيلها له في خيال
تميل نفسه إليه، فيصير إرادة، وينسيه علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فلا يرى إلا صورة المعصية فقط، وينسيه ما وراء ذلك.
فتصير الإرادة عزيمة جازمة، فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم وعونًا.
فإن فتروا حركهم، وإن سكنوا أزعجهم كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) } [مريم: 83] .
فأصل كل معصية الوسوسة، ولهذا وصفه الله بها، وحذرنا: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) } [الناس: 4 - 6] .
فالذي يوسوس في صدور الناس نوعان:
إنس .. وجن.
فالجني يوسوس في صدور الناس .. والإنسي أيضًا يوسوس إلى الإنسي.
والوسوسة: الإلقاء الخفي في القلب، وهذا مشترك بين الجن والإنس كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) } [الأنعام: 112] .
فشياطين الإنس والجن يشتركون في الوحي الشيطاني، ويشتركون كذلك في الوسوسة، ويشتركون كذلك في الفساد والإفساد.