ألا يمكن لكلمة واحدة أن تفسد علاقة سنوات أو حركة شاردة أن تهدم أركان أقوى الصلات هذه الكلمة أو ذلك الفعل قد سقط في الخندق الذي يفصل بين البصر والبصيرة. وما كل ذي عينين بالفعل يبصر ولا كل ذي كفين يعطي فيؤجر.
والسؤال الآن ما هي البصيرة؟
البصيرة هي الحجة والاستبصار في الشيء في قوله تعالى (بل الإنسان على نفسه بصيرة)
ونفاذ البصيرة يعني قوة الفراسة وشدة المراس وقوة الحنكة والقدرة على تخطي العقبات الحالية بالخيرات السباقة المتراكمة بتطويعها وترويضها والاستفادة منها في رؤية حلول لمشاكل جديدة.
وقد تطلق البصيرة على العلم واليقين، كما في قوله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ...)
وقد تطلق على نور القلب كما يطلق البصر على نور العين.
قال الراغب البصر يقال للجارحة الباصرة والقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة والبصيرة هي هذه القدرة على الرؤية الصحيحة المتشكّلة من عقل الانسان وثقافته وتربيته وتجربته ودينه، وهي ما نصطلح عليها اليوم بـ (الوعي) فقد يكون الانسان ذا بصر حاذق لكنه ذو بصيرة كليلة ضعيفة، ولذا اعتبر القرآن أن رؤية البصيرة أهم بكثير من رؤية البصر وذلك في قوله تعالى: (فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)
والبصيرة هي أعلى القدرات التعليمية الفطرية، ولربما انفرد الإنسان بها، إذ يصعب قياس هذه القدرة مخبرياً ...
وهذه القدرة تتفاوت قوتها بين أفراد البشر ... صحيح أننا كلنا نشعر بها حين نواجه مشكلة أعياناً حلها ثم (يأتى الجواب كلمح البرق) ولربما جاء الحل نتيجة تفكير طويل انشغل به الدماغ من حيث لا ندرى.
فالقدرة على النفاذ إلى كنه الأمور وخفايا المعضلات ملكة لا نعرف أحكامها الآلية العصبية، ونسميها بأسماء كثيرة (إلهام، رؤية، بصيرة، النظر الثاقب، أو النفاذ) وهي ليست القدرة على التحليل المنطقي والحساب أو الرياضيات، أو البلاغة.