وإنما شرع - سبحانه - الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة، كان المشركون أكثر عددا. فلو أمر المسلمون بالقتال لشق ذلك عليهم ...
فلما استقروا بالمدينة. وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك .. .
وقوله - سبحانه -: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ..
بيان لبعض الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد في سبيله.
أي: إن الله - تعالى - لقدير على نصر المؤمنين الذين أخرجهم الكافرون من ديارهم بغير حق، وبغير أي سبب من الأسباب، سوى أنهم كانوا يقولون ربنا الله - تعالى - وحده، ولن نعبد من دونه إلها آخر.
أي: ليس هناك ما يوجب إخراجهم - في زعم المشركين - سوى قولهم ربنا الله.
ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال في سبيله، بأن بين لهم أن هذا القتال يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه، فقال - تعالى -: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً.
والمراد بالدفع: إذن الله المؤمنين في قتال المشركين. والمراد بقوله: بَعْضَهُمْ
الكافرون. وبقوله: بِبَعْضٍ المؤمنون.
والصوامع: جمع صومعة، وهي بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم.
والبيع: جمع بيعة - بكسر الباء - وهي كنائس النصارى التي لا تختص بالرهبان.
والصلوات: أماكن العبادة لليهود.
أي: ولولا أن الله - تعالى - أباح للمؤمنين قتال المشركين، لعاث المشركون في الأرض فسادا، ولهدموا في زمن موسى وعيسى أماكن العبادة الخاصة بأتباعهما، ولهدموا في زمن الرسول صلّى الله عليه وسلّم المساجد التي تقام فيها الصلاة.
قال القرطبي: قوله - تعالى -: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... أي:
ولولا ما شرعه الله - تعالى - للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك.