وخلاصة ذلك: أنهم هم الذين كملوا أنفسهم باستحضار المعبود، والتوجه إليه في الصلاة على قدر الطاقة، وكانوا عونًا لأممهم بإعانة فقرائهم، وذوي الحاجة منهم، وكملوا غيرهم فأفاضوا عليهم من علومهم وآدابهم، ومنعوا المفاسد التي تعوق غيرهم عن الوصول إلى الرقي الخلقي، والأدب السامي.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن من أشراط الساعة، إماتة الصلوات واتباع الشهوات، والميل إلى الهوى، ويكون أمراء خونة، ووزراء فسقة"فوثب سلمان، فقال: بأبي وأمي إنَّ هذا لكائن؟ قال:"نعم يا سلمان، عندها يذوب قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء، ولا يستطيع أن يغير"قال: أو يكون ذلك؟ قال:"نعم يا سلمان، إن أذل الناس يومئذٍ المؤمن، يمشي بين أظهرهم بالمخالفة، إن تكلم أكلوه، وإن سكت مات بغيظه". قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - عليه السلام -: أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ فقال:"ظل الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر، وعليكم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر، وعليكم الصبر". وفي الحديث:"عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة".
وعن إزد شير: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل، وحسن سياسة. قيل: السياسة أساس الرياسة.
42 - {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} يا محمد وصيغة المضارع في الشرط مع تحقيق التكذيب، لما أن المقصود تسليته عليه السلام، عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع؛ أي: وإن تحزن على تكذيب قومك إياك، فاعلم أنك لست بأوحدي في ذلك، {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} ؛ أي: قبل تكذيبهم إياك {قَوْمُ نُوحٍ} نوحًا. {و} كذبت {عاد} هوداً. {و} كذبت {ثمود} صالحًا.
43 - {و} كذبت {قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ} إبراهيم {و} كذبت {قَوْمُ لُوطٍ} لوطًا.
44 - {و} كذب {أَصْحَابُ مَدْيَنَ} شعيبًا. ومدين كان ابنا لإبراهيم عليه السلام، ثم صار علمًا لقرية شعيب. وعدل عن قوم شعيب؛ لأن أصحاب مدين أعرق من أصحاب الأيكة في التكذيب، فلذلك خصهم بالذكر.