والمعنى للنص السامي أن هؤلاء المشركين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يكون ما شاهت به عقولهم، وضلت به أفهامهم من إشراك باللَّه تعالى في العبادة، وخضوع للأوهام، فيحسبون قول: (رَبُّنَا اللَّهُ) باطلا وهو الحق، فإنهم ما أنكروه (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .) ، وقوله تعالى حكاية عن المؤمنين (رَبُّنَا الَلَّهُ) يفيد قصر الربوبية على اللَّه تعالى وحده إذ لَا ربَّ سواه، ولا خالق سواه، ولا معبود بحق سواه.
وإنه تجب محاربة الباطل، ومقاومة الشر، ومدافعة الظلم، وإلا تحكم الفساد والطغيان، ولكان الناس تحت طاغوت مستمر، ولذا قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) ، (لَوْلَا) حرف امتناع لوجود، أي لولا وجود الدفع بأمر اللَّه (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ. . .) ، أي دور العبادة لكن لم تهدم بيوت العبادة لوجود منع اللَّه الأخيار للأشرار، والصوامع جمع صومعة، وهي البيوت المخصصة للرهبانية، و"البيع"، وهي كنائس النصارى، و"الصلوات"وهي بيوت العبادة لليهود، قال الزجاج: هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية صلوتا، ثم عربت فصارت صلوات.
والنص الكريم يفيد أن دفع الباطل إذا لم يكن لم يستطع أهل دين أن يقيموا عباداتهم، فتهدم صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وكانت تهدم هذه البيوت، ولا تقام شعائر أهل دين من الأديان السماوية قبل انتساخها، وساد الشرك وتحكم، وهذا النص السامي يفيد أمرين:
الأمر الأول - تمكين أهل كل دين من عبادتهم ببقاء أماكن العبادة لَا تهدم ولا تمس.
والأمر الثاني - منع هدم معابد أهل الذمة على ألا يحدثوا جديدا.