ولا يستعجل الإنسانُ العذابَ إلا إذا كان غَيْرَ مؤمن به ، المؤمن بالعذاب - حقيقةً - يخاف منه ، ويريد أنْ يبطئ عنه أو أنْ ينجوَ منه . والمعنى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب . .} [الحج: 47] أنهم يظنون أنَّه إنْ توعّدهم الله بالعذاب فإنه سيقع لِتَوِّه . لذلك ، الحق سبحانه يصحح لهم هذا الفهم ، فيقول: {وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ . .} [الحج: 47] فلا تتعجلوا توعّدكم به ، فهو واقع بكم لا محالة ؛ لأنه وَعْد من الله ، والله لا يُخلِف وعده ، لكن اعلموا أن اليوم عند الله ليس كيومكم ، اليوم عندكم أربع وعشرون ساعة ، أما عند الله فهو كألف سنة من حسابكم أنتم للأيام .
واليوم زمن يتسع لبعض الأحداث ، ولا يسع أكثر مما قدِّر أن يُفعل فيه من الأحداث ، أما اليوم عند الله - عَزَّ وجَلَّ - فيسع أحداثاً كثيرة تملأ من الزمن ألف سنة من أيامكم ؛ ذلك لأنكم تزاولون الأعمال وتعالجونها ، أما الخالق سبحانه فإنه لا يزاول الأفعال بعلاج ، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كُنْ فيكون ، ففِعْلُك يحتاج إلى وقت ، أما فِعْل ربك فبكلمة كُنْ . وقد شاء الحق سبحانه أنْ يعيشَ هؤلاء في عذاب التفكير في هذا الوعيد طول عمرهم ، فيُعذّبون به قبل حدوثه .
إذن: لا تظن أن العذاب الذي توعّدكم به سيحدث اليوم أو غداً ، لا ؛ لأن حساب الوقت مختلف .
ألم تقرأ قول الله تعالى لنبيه موسى - عليه السلام - لمَّا دعا على قومه: {رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم . .} [يونس: 88]
قال له ربه: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا . .} [يونس: 89] .
ويقول المفسرون: حدثتْ هذه الإجابة لموسى بعد أربعين سنة من دعوته عليهم .