وفي موضع آخر يقول تعالى: {يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] .
وتزيد هذه المدة في قوله سبحانه: {تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] لماذا؟ لأن الزمن عندكم في هذه الحالة مُعطَّل ، فأنتم من هَوْل ما تروْنَ تستطيلون القصير ، ويمر عليكم الوقت ثقيلاً ؛ لذلك تتمنون الانصراف ولو إلى النار .
كما أن صاحب النعيم يستقصر الطويل ، ويمر عليه الوقت كأنه لمح البصر ، ومن ذلك ما تلاحظه من قِصَر الوقت مع الأحبة وطوله مع الأعداء ومَنْ لا يهواه قلبك ، ولهذه المسألة شواهد كثيرة في شعرنا العربي ، منها قول أحدهم:
حَادِثَاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْناً ... وَالبَلايَا تُكَال بالقُفْزَان
وقول الآخر:
لَمْ يَطُلْ لَيْلِي ولكِنْ لَمْ أَنَمْ ... ونَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمّ
ويقول ابن زيدون:
إنْ يَطُلْ بعدَكَ لَيْلِي فَلَكَمْ ... بِتُّ أشكُو قِصَرَ الليْلِ مَعَك
ثم يقول سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ . .}
{وَكَأَيِّن . .} [الحج: 48] قلنا: تدل على الكثرة يعني: كثير من القرى ، {أَمْلَيْتُ . .} [الحج: 48] : أمهلتُ ، لكن طوال الإمهال لا يعني الإهمال ؛ لأن الله تعالى يُملي للكافر ويُمهله لأجل ، فإذا جاء الأجل والعقاب أخذه .
{ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج: 48] وأخْذُ الشيء يتناسب مع قوة الآخذ وقدرته وعنف الانتقام بحسب المنتقم ، فإذا كان الآخذ هو الله عز وجل ، فكيف سيكون أَخْذه؟
في آية أخرى يوضح ذلك فيقول: {أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 42] لا يُغَالب ، ولا يمتنع منه أحد ، وكلمة الأَخْذ فيها معنى الشدة والعنف والقَهْر .