ثم أراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال {ومن الناس من يجادل} نظيره {ومن الناس من يقول} [البقرة: 8] وقد مر إعرابه في أول البقرة. ومعنى {في الله} في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله {بغير علم} أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم ، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله {مردوا على النفاق} [التوبة: 101] والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً. ومعنى {كتب عليه} قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين ، والأول يليق بأصول الأشاعرة ، والثاني بأصول الاعتزال. وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان ، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان أي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار ، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل {كتب} والثاني عطف عليه. وفيه نظر لأن"من"يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة. والصحيح أن قوله {فأنه} مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت"من"موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك ، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك ، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم ، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة ، وكذا بين النطفة