والخطاب في قوله تعالى هنا {لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} - {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} - {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} موجه لإبراهيم الخليل عليه السلام، وكأن كتاب الله يعيد على مسامع رسوله والمؤمنين نفس الخطاب الإلهي الذي تلقاه إبراهيم الخليل، يوم وكل الله إليه وإلى ابنه إسماعيل إقامة البيت الحرام، وإذا كان هذا الخطاب موجها بالأصالة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه موجه بالتبع إلى خاتم الأنبياء والرسل، مجدد ملة إبراهيم، الذي أمره الله بإعادة الحق إلى نصابه، عند تيسر أسبابه، وكأنما كان التذكير ببناء البيت الحرام، وبالحكمة التي من أجلها وضع للناس، تمهيدا لما ورد بعد ذلك في هذا الربع، من توجيه الخطاب إلى مشركي قريش ومن سلك مسلكهم، بقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ. ومعنى {بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} جعلناه يبوء إليه ويقيم فيه، كقوله تعالى في آية أخرى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت: 58] .
والجمع بين عبادة الأوثان وقول الزور هنا في قران واحد، والأمر باجتنابهما معا في آن واحد، مبني على ما يوجد بينهما من ارتباط وثيق، فالشرك في الحقيقة هو رأس الزور، لأن المشرك بالله يزعم زورا وبهتانا أن الوثن يستحق العبادة، ويشهد له بالقدرة على الضر والنفع وغيره من صفات الكمال، التي هي من صفات الله وحده دون سواه، وكل قول من أقوال الزور يلتقي مع الشرك في أنه كذب وباطل، وغير مطابق للحقيقة.