{ثَانِيَ . .} [الحج: 9] ثَنَى الشيء يعني: لَواه ، وعِطْفه: يعني جَنْبه ، والإنسان في تكوينه العام له رأس ورقبة وكتفان ، وله جانبان وظَهْر ، وهذه الأعضاء تُؤدِّي دَوْراً في حياته وحركته ، وتدلّ على تصرفاته ، فالذي يجادل في الله عن غير علم ولا هدى ولا كتاب منير يَثنِي عنك جانبه ، ويَلْوي رأسه ؛ لأن الكلام لا يعجبه ؛ ليس لأن كلامك باطل ، إنما لا يعجبه لأنه أفلس وليست لديه الحجة التي يواجهك بها ، فلا يملك إلا هذه الحركة .
لذلك يُسمَّى هذا الجدل"مراءً"، ومنه قوله تعالى: {أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى} [النجم: 12] يعني: أتجادلون رسول الله في أمر رآه؟ والمراء: هو الجَدل العنيف ، مأخوذ من (مَرْى الضرع) يعني: حَلْب ما فيه من لبن إلى آخر قطرة فيه ، وأهل الريف يقولون عن هذه العملية (قرقر البقرة) يعني: أخذ كل لبنها ولم يَبْقَ في ضرعها شيء .
كذلك المجادل بالباطل ، أو المجادل بلا علم ولا حجة تراه يكابر ليأخذ آخر ما عند خَصْمه ، ولو كان عنده علم وحجة لأنهَى الموقف دون لجج أو مكابرة .
والقرآن الكريم يعطينا صورة لهذا الجدل والإعراض عن الحق ، فيقول سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5] .
والقرآن يعطينا التدرج الطبيعي للإعراض عن الحق الذي يبدأ بلَيِّ الرأس ، ثم الجانب ، ثم يعطيك دُبُره وعَرْض أكتافه ، هذه كلها ملاحظ للفرار من الجدل ، حين لا يقوى على الإقناع .