أي قويناها حتى اقتحموا مضايقَ الصبر على هجر الأهلِ والأوطانِ والنعيم والإخوانِ ، واجترأوا على الصدْع بالحق من غير خوف ، وحذِروا الردَّ على دقيانوسَ الجبار {إِذْ قَامُواْ} منصوبٌ بربطنا والمرادُ بقيامهم انتصابُهم لإظهار شعارِ الدين ، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعادٍ ، فقال أكبرُهم: إني لأجد في نفسي شيئاً أن ربي ربُّ السماواتِ والأرض ، فقالوا: نحن أيضاً كذلك فقاموا جميعاً {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض} ضمّنوا دعواهم ما يحقق فحواها ويقضي بمقتضاها فإن ربوبيتَه عز وجل لهما تقتضي ربوبيتَه لما فيهما أيَّ اقتضاءٍ ، وقيل: المراد قيامُهم بين يدي الجبارِ من غير مبالاةٍ به حين عاتبهم على ترك عبادةِ الأصنام ، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: {هَؤُلاء} الخ ، منقطعاً عما قبله صادراً عنهم بعد خروجِهم من عنده {لَن نَّدْعُوَاْ} لن نعبدَ أبداً {مِن دُونِهِ إلها} معبوداً آخرَ لا استقلالاً ولا اشتراكاً ، والعدولُ عن أن يقال: ربًّا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامَهم آلهةً وللإشعار بأن مدارَ العبادة وصفُ الألوهية وللإيذان بأن ربوبيتَه تعالى بطريق الألوهيةِ لا بطريق المالكية المجازية {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي قولاً ذا شططٍ أي تجاوزَ عن الحد أو قولاً هو عينُ الشطط ، على أنه وُصفَ بالمصدر مبالغةً ثم اقتُصر على الوصف مبالغةً على مبالغة ، وحيث كانت العبادةُ مستلزِمةً للقول لما أنها لا تَعرَى عن الاعتراف بألوهية المعبودِ والتضرّعِ إليه قيل: لقد قلنا ، وإذاً جوابٌ وجزاءٌ أي لو دعَونا من دونه إلها والله لقد قلنا قولاً خارجاً عن حد العقولِ مُفْرِطاً في الظلم.