فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوانُ الجبار فأحضروهم بين يديه فقال لهم ما قال وخيّرهم بين القتل وبين عبادةِ الأوثان ، فقالوا: إن لنا إلها ملأ السماواتِ والأرضَ عظمتُه وجبروتُه لن ندعوَ من دونه أحداً ، ولن نُقِرّ بما تدعونا إليه إبداً فاقضِ ما أنت قاضٍ ، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرةِ وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة نينوى لبعض شأنِه وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم فإن تبِعوه وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين ، فأزمعت الفتيةُ على الفرار بالدين والالتجاء إلى الكهف الحصين ، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئاً فتصدّقوا ببعضه وتزوّدوا بالباقي فأوَوا إلى الكهف فجعلوا يصلّون فيه آناءَ الليل وأطرافَ النهار ويبتهلون إلى الله سبحانه بالأنين والجُؤار وفوّضوا أمرَ نفقتِهم إلى يمليخا ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابَه الحِسانَ ويلبس لباس المساكين ويدخُل المدينة ويشتري ما يُهمّهم ويتحسس ما فيها من الأخبار ويعود إلى أصحابه ، فلبِثوا على ذلك إلى أن قدم الجبارُ المدينةَ فطلبهم وأحضر آباءَهم فاعتذروا بأنهم عصَوْهم ونبهوا أموالَهم وبذروها في الأسواق وفرّوا إلى الجبل ، فلما رأى يمليخا ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليلٌ من الزاد فأخبرهم بما شهده من الهول ففزِعوا إلى الله عز وجل وخرّوا له سُجّداً ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم ، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم فناموا ونفقتُهم عند رؤوسهم ، فخرج دقيانوس في طلبهم بخيله ورَجِلِه فوجدوهم قد دخلوا الكهفَ فأمر بإخراجهم فلم يُطِق أحدٌ أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعاً قال قائل منهم: أليس لو كنتَ قدَرتَ عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى ، قال: فابْنِ عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً وليكن كهفُهم قبراً لهم ، ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله عز وجل عنهم {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} استئنافٌ تحقيقيٌّ مبني على تقدير السؤالِ من قبل