الحجة السادسة: أن الكرامة غير المكرم وكل ما هو غير المكرم فهو ذليل وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل ، ولهذا المعنى
قال الخليل صلوات الله عليه: أما إليك فلا (1) ، فالاستغناء بالفقير فقر والتقوى بالعاجز عجز والاستكمال بالناقص نقصان والفرح بالمحدث بله والإقبال بالكلية على الحق خلاص ، فثبت أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته.
أما إذا كان لا يشاهد في الكرامات إلا المكرم ولا في الإعزاز إلا المعز ولا في الخلق إلا الخالق فهناك يحق الوصول.
الحجة السابعة: أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون ، قال إبليس:
{أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} [الأعراف: 12] وقال فرعون: {أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51] وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام:"ثلاث مهلكات ، وختمها بقوله: وإعجاب المرء بنفسه"
الحجة الثامنة: أنه تعالى قال: {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ الشاكرين} [الأعراف: 144] {واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين} [الحجر: 99] فلما أعطاه الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال بخدمة المعطى لا بالفرح بالعطية.
الحجة التاسعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيره الله بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً ترك الملك ، ولا شك أن وجدان الملك الذي يعم المشرق والمغرب من الكرامات بل من المعجزات ثم إنه صلى الله عليه وسلم ترك ذلك الملك واختار العبودية لأنه إذا كان عبداً كان افتخاره بمولاه وإذا كان ملكاً كان افتخاره بعبيده ، فلما اختار العبودية لا جرم جعل السنة التي في التحيات التي رواها ابن مسعود"وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"وقيل في المعراج: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] .
(1) هذا من خطابه لجبريل عليه السلام فإنه
لما ألقي في النار سأله جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام أما إليك فلا! []