ثم يقول تعالى: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً . .} [الكهف: 5] أي: ما يقولون إلا كذباً ، والكذب أَلاَّ يطابق الكلام واقع الأمر ، فالعاقل قبل أنْ يتكلم يُدير الكلام على ذِهْنه ويَعْرضه على تفكيره ، فتأتي النسبة في ذِهْنه وينطقها لسانه ، وهذه النسبة قبل أن يفكر فيها وينطق بها لها واقع .
فمثلاً حين تقول: محمد مجتهد . قبل أن تنطق بها جال في خاطرك اجتهاد محمد ، وهذه تُسمّى نسبة ذِهْنية ، فإنْ قلتَ: محمد مجتهد أصبحتْ نسبة كلامية ، فإنْ وُجد شَخص اسمه محمد وهو مجتهد فعلاً ، فإن النسبة الذهنية الكلامية أصبحتْ نسبة واقعية ، والخبر بها خبر صادق .
فإنْ كانت النسبة الكلامية لا واقعَ لها كأنْ لا يوجد شخص اسمه محمد أو وُجِد ولكنه غير مجتهد ، فالخبر هنا كاذب . وهذا هو الأسلوب الخبري الذي يحتمل الصدق أو الكذب .
وهناك الأسلوب الإنشائي الذي لا يحتمل الصِّدْق ، ولا يحتمل الكذب ؛ لأن النسبة الواقعية فيه متأخرة عن النسبة الكلامية كما لو قُلْت: ذاكر دروسك . فواقع هذه العبارة سيحدث في المستقبل ؛ لذلك لا يُوصَف الإنشاء بالصدق أو بالكذب .
والتدقيق العلمي يقول: الصدق الحقيقي أنْ تطابقَ النسبة الكلامية الواقع والاعتقاد ، فإن اعتقدتَ شيئاً ولم يحدث ، فالنسبة كاذبة وأنت غير كاذب ؛ لأن هناك فرقاً بين الخبر والمخْبِر .
وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]