قلت: هذا قول حسن، وجيز في ألفاظه بليغ في معناه، وقد جمعه النبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو
"قوله لسفيان بن عبد الله الثَّقَفيّ لما قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك في رواية: غيرك."
قال: قل آمنت بالله ثم استقم"خرّجه مسلم."
وقال سفيان الثّوريّ:"أحسن عملاً"أزهدهم فيها.
وكذلك قال أبو عصام العسقلاني:"أحسن عملاً"أترك لها.
وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد؛ فقال قوم: قصرُ الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباء؛ قاله سفيان الثّوريّ.
قال علماؤنا: وصدق رضي الله عنها فإن من قَصُر أملهُ لم يتأنّق في المطعومات ولا يتفنّن في الملبوسات، وأخذ من الدنيا ما تيسّر، واجتزأ منها بما يبلِّغ.
وقال قوم: بغضُ المحمدة وحبِّ الثناء.
وهو قول الأوزاعيّ ومن ذهب إليه.
وقال قوم: ترك الدنيا كلها هو الزهد؛ أحَبَّ تركها أم كره.
وهو قول فضيل.
وعن بشر بن الحارث قال: حبُّ الدنيا حبُّ لقاء الناس، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس.
وعن الفضيل أيضاً: علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس.
وقال قوم: لا يكون الزاهد زاهداً حتى يكون ترك الدنيا أحبَّ إليه من أخذها؛ قاله إبراهيم بن أدهم.
وقال قوم: الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك؛ قاله ابن المبارك.
وقالت فرقة: الزهد حبّ الموت.
والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى.
{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) }
تقدّم بيانه.
وقال أبو سهل: تراباً لا نبات به؛ كأنه قُطع نباته.
والجَرْز: القطع؛ ومنه سنة جُرُز.
قال الراجز:
قد جَرَفْتهنّ السِّنون الأجْرَاز...
والأرض الجرز التي لا نبات فيها ولا شيء من عمارة وغيرها؛ كأنه قطع وأزيل.
يعني يوم القيامة، فإن الأرض تكون مستوية لا مستتر فيها.
النحاس: والجرز في اللغة الأرض التي لا نبات بها.
قال الكسائي: يقال جرزت الأرض تجرز، وجرزها القوم يجرزونها إذا أكلوا كل ما جاء فيها من النبات والزرع فهي مجروزة وجرز. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 10 صـ}