وفَعَلَ حفص في مواضعَ من القرآن مثلَ فِعْلِهِ هنا مِنْ سكتةٍ لطيفةٍ نافيةٍ لوَهْمٍ مُخِلٍّ . فمنها: أَنَّه كان يقفُ على"مَرْقَدِنا"، ويَبْتدئ: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} [يس: 52] . قال:"لئلا يُتَوَهَّمَ أنَّ"هذا " صفةٌ ل"مَرْقَدِنا"فالوقفُ يبيَِّن أنَّ كلامَ الكفارِ انقَضى ، ثم ابتُدِئ بكلامِ/ غيرِهم . قيل: هم الملائكةُ . وقيل: هم المؤمنون . وسيأتي في يس ما يَقْتضي أنْ يكونَ " هذا " صفةً ل"مَرْقَدِنا"فيفوتُ ذلك ."
ومنها: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27] . كان يقف على نونِ"مَنْ"ويَبْتَدِئ"راقٍ"قال: لئلا يُتَوَهَّمَ أنَّها كلمةٌ واحدةٌ على فَعَّال اسمَ فاعلٍ للمبالغة مِنْ مَرَق يَمْرُق فهو مَرَّاق .
ومنها: {بَلْ رَانَ} [المطففين: 14] كان يقفُ على لام بل ، ويَبْتدئ"رانَ"لِما تقدَّم .
قال المهدويُّ:"وكان يَلْزَمُ حفصاً مثلُ ذلك ، فيما شاكَلَ هذه المواضِعَ ، وهو لا يَفعلُه ، فلم يكن لقراءتِه وَجْهٌ من الاحتجاجِ إلا اتباعُ الأثَرِ في الرواية". قال أبو شامة:"أَوْلَى من هذه المواضعِ بمراعاةِ الوقفِ عليها:"ولا يَحْزُنْكَ قولُهم . {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65] ، الوقفُ على"قَوْلُهم"لئلا يُتَوَهَّم أنَّ ما بعده هو المقولُ"، وكذا {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار * الذين يَحْمِلُونَ العرش} [غافر: 67] ينبغي أن يُعْتَنَى بالوقفِ على"النار"لئلا تُتَوَهَّم الصفةُ".
قلت: وَتَوَهُّمُ هذه الأشياءِ مِنْ أبعدِ البعيدِ . وقال أبو شامةَ أيضاً:"ولو لَزِم الوقفُ على اللامِ والنونِ ليَظْهرا لَلَزِمَ ذلك في كلِّ مُدْغَمٍ". قلت: يعني في"بَلْ رَان"وفي"مَنْ راقٍ".