فانصرفوا عنه ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وَحْياً ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وَعَدَنا محمد غداً ، واليوم خمس عشرة ليلة ، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ؛ وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحي عنه ، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ، والرجل الطواف والروح.
قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل:"لقد احتبست عني يا جبريل حتى سُؤت ظنًّا"فقال له جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] ""
فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده ، وذكر نبوّة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب} يعني محمداً ، إنك رسول منّي ، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوّتك.
{وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاقَيِّماً} أي معتدلاً لا اختلاف فيه.
{لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} أي عاجل عقوبته في الدنيا ، وعذاباً أليماً في الآخرة ، أي من عند ربك الذي بعثك رسولاً.
{وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} أي دار الخلد لا يموتون فيها ، الذين صدّقوك بما جئت به مما كذّبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال.
{وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً} يعني قريشاً في قولهم: إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله.
{مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ} الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم.