ولقد تعددت الروايات التي رواها المفسرون في صدد هذا الموقف فمنها أن فريقا من الكفار اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم السكوت عن شتم آلهتهم وتحقيرها ليحاسنوه، ومنها أنهم اقترحوا الإبقاء على بعض تقاليدهم وطقوسهم مدة من الزمن، ومنها أنهم اقترحوا أن يسمح لهم بتكريم آلهتهم بعض التكريم. ومنها أنهم اقترحوا أن يلمّ بآلهتهم أي يمرّ بها ويمسها كما يفعل بالحجر الأسود على سبيل التبرك، ومما جاء في الروايتين الثانية والثالثة أنهم وعدوه- إذا فعل- أن يؤمنوا به، ومما جاء في الرابعة أنهم أرادوا أن يمنعوه من الحجر الأسود والطواف ما لم يلمّ بآلهتهم أي أوثانهم التي كانت في فناء الكعبة، وهناك رواية خامسة وردت في الجزء الأول من الطبقات لابن سعد تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من قومه كفّا
عنه، تمنى فقال ليته لا ينزل عليّ شيء ينفرهم مني وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه. وجلس يوما مجلسا من ناد حول الكعبة فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) حتى إذا بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) ألقى الشيطان كلمتين على لسانه وهما (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم معه جميعا وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك فكبر ذلك على الله فلما أمسى أتاه جبريل فقال له قلت على الله ما لم يقل فأوحى إليه وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75) وبلغ الخبر للمهاجرين في أرض الحبشة بأن أهل مكة أسلموا فبادروا إلى العودة حتى إذا كانوا دون مكة لقوا ركبا من كنانة فسألوهم فقالوا ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعوه ثم ارتد عن ذلك وعاد إلى شتم آلهتهم فعادوا له بالشر فائتمر العائدون فعاد أكثرهم ثانية إلى الحبشة وعاد معهم آخرون مجددا. وقليل منهم رحل إلى مكة بجواره، وإن الحادث وقع في السنة الخامسة من البعثة.