قال في"الكشاف": والباء فيه؛ أي: في قوله تعالى: {بِطَغْوَاهَاَ} مثلها في: كتبت بالقلم، يجعلها للاستعارة؛ أي: متقوية بطغواها.
وقال القاضي: بسبب طغواها؛ يجعلها للسببية.
قلت: ويحتمل أن تكون بمعنى مع، أو في؛ أي: كذبت متلبسة بطغياها مصاحبة له.
وجعلها آخرون للتعدية؛ أي: بعذابها التي وعدت به.
والطغوى اسم العذاب كالطاغية كما قال تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) } [سورة الحاقة: 5] ؛ أي: الصيحة المجاوزة للحد في الشدة، والأخذ، والطغيان بسبب حلول الغضب والهلاك بالإنسان.
قال الله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) } [سورة طه: 81] .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} يقول: لا تظلموا.
وقال ابن زيد رحمه الله تعالى: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله.
رواهما ابن أبي حاتم.
واعلم أن الطغيان قد يكون في طلب المال كما فسرت به هذه الآية، فيكون تناول أموال الناس بالباطل.
وقد يكون بسبب الغنى بالمال، ومنه قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) } [سورة العلق: 6، 7] .
ولا أدري أي الطغيانين أشد إثمًا؛ لأن الأول سببه عدم الرضا بما قدره الله تعالى، والطمع فيما لم يأذن فيه الله، والثاني بسبب الطمع وعدم القناعة، والحسد، ومنازعة أمر الله تعالى، والكل مهلكات.
ومن فتح عليه باباً من الطغيان يوشك أن لا يدع منه باباً إلا دخله، ولا حالًا إلا تلبس به، فيخشى عليه أن يهلك بالطاغية التي هلكت بها ثمود، أو ما يشاكلها.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما: منهومان لا يشبعان: صاجا علم، وصاجا دنيا؛ فأما صاجا العلم فيزداد رضى الرحمن، ثم قرأ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر: 28] ، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، ثم قرأ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) } [سورة العلق: 6، 7] . رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي موقوفًا.