يعني أن المبذرين الذين يصرفون أموالهم في المعاصي, الترف الواسع، يشبهون الشياطين ويماثلونهم ويتأسَّون بهم وكفران النعمة لصرفها فيما حرم الله, يتلفونها في ترفهم وينسون المبرات، فإذا ساروا على طريقتهم هذه لم يرجعوا يرجعوا إلى ما شرعه الله، حشروا في النار مع قرنائهم وأمثالهم من الشياطين الذين يسيرون وفق إغوائهم، ويسلكون سبيلهم، والجزاء من جنس العمل.
{وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} : أي أن الشيطان دأب على كفران النعم، حيث إنه يصرف القدرة التي منحها الله له إلى المعاصي والإفساد في الأرض وإضلال الناس، وكان حقها أن تصرف فيما خلقت له، في عبادة ربه وطاعة مولاه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} فاحذروا أن تتشبهوا بالشياطين في الجحود والكفران، حتى لا تكون عاقبتكم البوار والخسران كَعاقبتهم.
28 - {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} :
أي وإن أعرضت وملت عن هؤُلاء الأقارب والمساكين وأبناء السبيل فلم تحقق لهم
ما يطلبون أَو لم تمنحهم ما يؤملون، وذلك لعسر أصابك، أو فقر نزل بك، وأنت تتطلع وترجو من، ربك أن ييسِّر لك ويفرج كربك، واثقًا بفضله طامعا في رحمته - إن أَعرضت عن هؤلاء لذلك - فاعتذر لهم بالقول الطيب والكلام اللين والدعاء، مع الوعد الجميل ببرهم، عندما يزول عذرك، لتسر نفوسهم وتفتح باب الرجاء أَمامهم، وهذا تأديب وتوجيه يبقى المودة ويديم الألفة بين المؤمنين ولله در هذا الشاعر حيث يقول:
إلاَّ تَكنْ ورِق أجود بها ... للسائلين فإني لين العود
لا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالى وإما حسن مردودي
29 - {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} :
أَمرنا الله فيما تقدم بالإنفاق في البر، جاءت هذه الآية ليعلمنا الله أَدب إنفاق المال، فنهانا - سبحانه - عن البخل والشح وعن الانطلاق في البذل.