قوله تعالى: {لِيَذَّكَّرُوا} قال ابن عباس: يريد ليتعظوا، والأصل ليتذكروا، فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، هذا قراءة العامة، وقرأ حمزة والكسائي: لِيَذْكُرُوا من الذكر، والتَّذَكُّرُ هاهنا أشبه من الذكر؛ لأنه كأنَّ يُرادُ به التَّدَبُّر وليس التذكر الذي بعد النسيان، ولكن كما قال: {وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] ، أي: ليتدبروه بعقولهم، وليس المراد ليتذكروه بعد نسيانهم، ويدل على هذا، أن التذكر قد لا يكون من النسيان، كقوله:
تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى ومِنْ أَيْنَ شِرْبُهُ .... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ
يعني تَدَبَّر في ذلك وتفَكَّر من أين يشرب، وأمّا مَنْ قرأ بالتخفيف، فإن التخفيف قد جاء بهذا المعنى، كقوله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا} [البقرة: 63] هذا ليس على لا تنسوه ولكن تَدَّبروه، ويجوز أن يكون المراد ذكر اللسان، والمعنى: صَرَّفنا في هذا القرآن ليذكروه، وإذا كان الكلام مُصَرَّفًا فيه على أنواع، كان أقرب من الذكر وأبعد من السأمة.
وقوله تعالى: {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا} قال ابن عباس: يريد ينفرون من الحق ويتبعون الباطل، قال أبو علي: أي ما يزيدهم تصريف الآيات إلا نفورًا، أضمر الفاعل بدلالة ما تقدم عليه؛ كقوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا} [فاطر: 42] ، أي: مجيء النذير.
قال أهل المعاني: إنما زادهم نفورًا؛ لأنهم اعتقدوا أنها شُبَه وحِيَل، فنفروا منها أشد النفور؛ لهذا الاعتقاد الفاسد، ومنعهم ذلك من التَدبُّر لها، وإدراك منزلتها في عظم الفائدة وجلالة المنزلة.