إنّ قوماً لم يتذوقوا اللغة ولم يُدركوا أسرارها، خلطوا في هذه المفاهيم بين الحقيقة والمجاز، فاختلطت عليهم الأمور، والتبست عليهم السبل، واضطربت الموازين. إنهم لم يفرقوا بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، وبين الإسلام الكامل ومجرد الإسلام. ولم يميزوا بين الكفر الأكبر المخرج عن الملة، وكفر المعصية. ولا بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ولا بين نفاق العقيدة ونفاق العمل، وجعلوا جاهلية الخُلق والسلوك كجاهلية العقيدة سواء.
ومن هنا يجب إلقاء بعض الضوء على هذه المفاهيم ـ التفصيل موعده كتابنا المرتقب عن قضية التكفير إن شاء الله ـ حتى لا يُفضي الغبش فيها إلى خطر جسيم. فالإيمان إذا أطلق ينصرف إلى الكامل، وهو ما يجمع بين تصديق الجنّان، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح والأبدان، وهذا هو الإيمان المذكور في مثل قوله تعالى: (( إنّما المؤمِنون الذين إذا ذُكر الله وجِلتْ قلوبهم .. ) ) [الأنفال:2] وقوله: (( قدْ أفلحَ المؤمِنُون الذين هُم في صلاتِهمْ خاشِعون .. ) ) [المؤمنون:1] .
وقوله: (( إنّما المؤمِنون الذين آمنوا بالله ورسولِه ثمّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفُسِهم في سبيل الله أولئك هم الصّادِقون ) ) [الحجرات:15]
وفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه .. فليقل خيراً أو ليصمت".
وهو المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"وقوله:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن".
فالنفي هنا ينصب على كمال الإيمان لا على أصل الإيمان، كما تقول، ليس برجل من لا يغار على أهله، وليس بعالم من لم يعمل بعلمه، فالنفي هنا لكمال الرجولة لا لأصلها، ولكمال العلم لا لأصله، وهذا الإيمان الكامل هو الذي أخبر عنه الحديث: أنه"بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان".