ويذكرني هذا بما رواه لي بعض الإخوة في أمريكا عن أحد الذين ارتفعت أصواتهم بالإنكار على أكل اللحوم المذبوحة من طعام أهل الكتاب، مما أفتى بحله عدد من العلماء قديماً وحديثاً، وكان هذا من أعلاهم صوتاً، وأكثرهم تشدداً، وهو في الوقت نفسه - كما روى لي الثقات - لا يبالي أن تكون الخمر على مائدته، فهذه نقرة، وتلك نقرة، يعني أنه يتشدد ويتوقف في المشتبه فيه والمختلف عليه، على حين يقتحم حمى المحرمات اليقينية الصريحة بلا توقف ولا مبالاة!!
ومثل هذا الموقف المتناقض ـ الاجتراء على الكبائر والوسوسة في التوافه ـ هو ما أثار الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حيث سأله مَنْ سأله مِنْ أهل العراق عن دم البعوض ونحوه بعد قتل السبط الشهيد سيد الشباب: الحسين بن علي رضي الله عنهما.
فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن أبي نعم قال:
"جاء رجل إلى ابن عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض؟ - وفي طريق أخرى للحديث أنه سأله عن محرم قتل ذبابا ً - فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: ها! انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني الحسين رضي الله عنه) وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا" (أخرجه أحمد، وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح) .
الإسراف في التحريم
ومن دلائل هذه الضحالة، وعدم الرسوخ في فقه الدين، والإحاطة بآفاق الشريعة: الميل دائماً إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات، مع تحذير القرآن والسنة والسلف من ذلك.
وحسبنا قوله تعالى: (( ولا تقولوا لِما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، لِتفتروا على الله الكذِب إنّ الذين يفترون على الله الكذِب لا يُفلِحون ) ) [النحل:116] .
وكان السلف لا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزماً، فإذا لم يجزم بتحريمه قالوا: نكره كذا، أو لا نراه، أو نحو ذلك من العبارات، ولا يصرحون بالتحريم، أما الميالون إلى الغلو، فهم يسارعون إلى التحريم دون تحفظ، بدافع التورع والاحتياط، إن أحسنا الظن، أو بدوافع أخرى، يعلم الله حقيقتها.