وقد ناقشني بعض هؤلاء الظاهريين بأن هذا خلاف ما تدل عليه النصوص.
قلت: أي نصوص تعني؟
قال: حديث"ليس في الخضروات صدقة"
قلت: حديث ضعيف، لم يصححه أحد من أئمة الحديث، فلا يحتج بمثله، فضلاً عن أن يخصص به عموم القرآن والسنة. وقد رواه الإمام الترمذي ثم ضعفه، ثم قال: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ زكاة من الخضروات.
قلت: لي على هذا جوابان:
أحدهما ما قاله الإمام ابن العربي: أنه لا حاجة إلى نقل مثل هذا، والقرآن يغني عنه، يعني آية الأنعام. (وآتوا حقَّه يومَ حصادِه) .
والثاني: أن عدم أخذه - لو صح - يحمل على أنه تركه لضمائر أصحاب المال يخرجونه بأنفسهم، لصعوبة حفظ الخضروات والفواكه في زمنهم وتعرضها للتلف والفساد.
قال: وحديث آخر تركته يحصر الزكاة في أربعة أشياء: التمر والزبيب والحنطة والشعير.
قلت: هذا الحديث لم يصل إلى درجة الصحة كما قرر ذلك أئمة الحديث انظر كتابنا"فقه الزكاة"1/ 349 - 358، ولهذا لم يأخذ به أحد من الأئمة المتبوعين، فكيف يقاوم النصوص العامة الثابتة التي أوجبت الزكاة في عموم ما أخرجت الأرض، مثل قوله تعالى:
(( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مِنْ طيبات ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض ) ) [البقرة:267] .
وقوله: (( وهو الذي أنشأ جنّاتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍِ والنخل والزرع مُختلفاً أكله والزيتون والرّمان متشابهاً وغير مُتشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصادِه ) ) [الأنعام:141] وقوله عليه الصلاة والسلام:"فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالساقية نصف العشور" [رواه مسلم من حديث جابر]
وهذه النصوص لم تخص نوعاً من الحاصلات دون نوع، والعلة في التسوية بينها -بإيجاب العشر أو نصفه فيها - بيّنة واضحة. وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وقبله عمر بن عبد العزيز، وهو الموافق لحكمة التشريع.