هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لأصحاب الدعوات أن يتبعوه في دعوتهم للمعاندين، ومخاطبتهم للمخالفين، وحسبنا وصية الله تعالى للرسولين الكريمين موسى وهارون: (( اذهبا إلى فِرعون إنَّه طغى فقولا له قولاً ليِّناً لعلّه يتذكّرُ أو يخشى ) ) [طه:43 - 44] .
ولهذا لما واجه موسى فرعون عرض عليه الدعوة في هذه الصورة الرقيقة: (( هلْ لك إلى أن تزكّى وأهدِيك إلى ربِّك فتخْشى ) ) [النازعات:18 - 19] .
ولا غرو أن أنكر الدعاة الوعاة على بعض الشباب المخلصين الطريقة التي يتعاملون بها مع الناس في السلوك، أو يتحاورون بها مع المخالفين في الفكر، فقد غلب عليها المخاطبة بالخشونة والشدة، والمواجهة بالغلظة والحدة، ولم يعد جدالهم لمعارضيهم بالتي هي أحسن، بل بالتي هي أخشن، ولم يفرقوا في ذلك بين الكبير والصغير .. ولم يميزوا بين من له حرمة خاصة كالأب والأم، ومن ليس كذلك .. ولا بين من له حق التوقير والتكريم كالعالم الفقيه، والمعلم المربي، ومن ليس كذلك، ولا بين من له سابقة في الدعوة والجهاد، ومن لا سابقة له .. ولم يفصلوا بين من له عذره إلى حد ما -كالعوام والأميين والمخدوعين - من الجماهير المشغولة بمعاشها ومتاعبها اليومية، ومن لا عذر له، ممن يقاوم الإسلام عن حقد، أو عمالة وخيانة، ويقتحم النار على بصيرة، وقديماً فرّق أئمة الحديث رضي الله عنهم بين عوام المبتدعين ممّن لا يدعو إلى بدعته، وبين من نصب نفسه داعية للبدعة مروِّجاً لها، مناضلاً عنها، فقبلوا رواية الأول، وردوا رواية الآخر.
سوء الظن بالناس
5 -ومن مظاهر التطرف ولوازمه: سوء الظن بالآخرين، والنظر إليهم من خلال منظار أسود، يخفي حسناتهم، على حين يضخم سيئاتهم. الأصل عند المتطرف هو الاتهام، والأصل في الاتهام الإدانة، خلافاً لما تقرره الشرائع والقوانين: إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
تجد الغلاة دائماً يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، قفلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتقممون الأخطاء، ليضربوا بها الطبل، ويجعلوا من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفراً!!