وسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر مهم، وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير، ثم تتسع دائرته، ويتطاير شرره، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل المزدلفة في حجة الوداع قال: لابن عباس: هلمّ القط لي ـ أي حصيات ليرمي بها في منى ـ قال: فلقطت له حصيات من حصى الخذف - يعني حصى صغاراً مما يخذف به - فلما وضعهن في يده، قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغلو في الدين ... الحديث يعني: لا ينبغي أن يتنطعوا فيقولوا: الرمي بكبار الحصى أبلغ من الصغار، فيدخل عليهم الغلو شيئاً فشيئاً، فلهذا حذرهم.
وقال الإمام ابن تيمية: قوله"إيَّاكم والغلو في الدين"عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد ... والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، بقوله تعالى: (( لا تغْلوا في دينِكُم ْ ) ) [النساء:171] .
2 -وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هلك المتنطعون"قالها ثلاثاً. (رواه مسلم، ونسبه السيوطي إلى أحمد وأبي داود أيضا ً) .
قال الإمام النووي: أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
ونلاحظ أن هذا الحديث والذي قبله جعلا عاقبة"الغلو والتنطع"هي الهلاك، وهو يشمل هلاك الدين والدنيا، وأي خسارة أشد من الهلاك، وكفى بهذا زجراً.
3 -وروى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"لا تشددوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: رهْبانِيّةً ابتدعُوها ما كتَبْناها عليهِمْ )) [ذكره ابن كثير تفسير سورة الحديد] ."
ومن أجل ذلك قاوم النبي صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع إلى الغلو في التدين، وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذي جاء به الإسلام، ووازن به بين الروحية والمادية، ووفق بفضله بين الدين والدنيا، وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة، التي خلق لها الإنسان.