{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] لكل طائفة منهما فجادل أهل النفاق بالسيف وأغلظ عليهم القول، وجادل أهل الوفاق باللطف والرحمة {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] واعف عنهم واستغفر لهم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله حين خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أخطأه ذلك النور، فقد ضل وهو أعلم بالمهتدين الذين أصابهم ذلك النور فقد اهتدوا بذلك النور إلى صاحب النور وهو وليهم الذي أخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور وجوده بجوده.
وفي قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] إشارة إلى من دعا إلى الله فأجاب وجاهد النفس ونهاها عن الهوى، وسلك طريق الحق بالاتباع دون الابتداع، ثم هبت صرصر البلاء من غريب الابتلاء، واستولت النفس وحجبت في مراتع الدنيا وشهواتها، على وقف طبعها وهواها، حتى غلبت الروح وجنوده، وعاقبتم بأنواع عقوبات مختلفة من التباعد والتقاعد والتقاطع إلى أن نسمت رياح العواطف عن مهب العناية، وطبعت شمس الإقبال عن مشرق الأفضال، وانقلبت الأحوال فأقبل نهار الروح مشرق بأنوار الجمال وأدبر ليل النفس مظلم بقهر الجلال وأسرت النفس وجنودها وعزم الروح وجنوده على معاقبتهم بالفطام عن مألوفاتهم والإقدام على مخالفاتهم وتأديبهم بسياط الجوع والعطش، فنودوا من حظائر القدس ومجالس الأنس {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] أي: لا تقصروا المعاقبة وبالغوا فيها كما بالغوا في معاقبتكم {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} [النحل: 126] على معاقبتهم {لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.