وفي قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ} [النحل: 79] فيه إشارة إلى طير الأرواح أنها مسخرة في جو سماء القلوب {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ} [النحل: 79] لأن الأرواح علويات، وإنما سكونها في سفل الأجساد بتسخير الله إياها كقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [ص: 72] .
وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] وفيه إشارة إلى أن للإنسان مقاماً يرى الله بنور الله قبل رؤية الأشياء، ويرى الأشياء قائمة بقدر الله، كما قال بعضهم: ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله قبله.
{إِنَّ فِي ذلك لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] بالله بنور الله فهذه التأويلات من جملة الآيات التي يهدي بها الله خواص عباده إليه.
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ} [النحل: 80] يشير به إلى الأرواح، {مِّن بُيُوتِكُمْ} [النحل: 80] أي: من بيوت الأجساد {سَكَناً} [النحل: 80] أي: مسكناً وإلا كان مساكنها عالماً الأرواح {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل: 80] أي: جعل بيوتكم أجساد حيوانية {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل: 80] أي: تستخف أرواحكم النفوس الحيوانية وقواها وقت السير إلى الله ووقت الوقفة للاستراحة والتربية.
وفي قوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً} [النحل: 80] إشارة إلى الصفات الحيوانية والحواس الخمسة والقوى أنها آلات للأرواح في السير {وَمَتَاعاً} ينتفع ويبلغ به {إِلَى حِينٍ} أي: إلى حين الوصول وإقران الوصال {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} أي: جعل الخلق ظل عالم الأمر لتستظل الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، فافهم جدّاً.