قوله تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} بين سبحانه ان الشيطان لا يغلب بالكفر والضلال على من اختارهم الله في الأزل بالإيمان والمعرفة وبصفاته وبأسمائه وبنعوته بنعت نفى الانداد والاضداد عن عبوديته والايقان في وجوده والاذعان عند تصرفه والتوكل عليه في امتحانه وبلائه ولا تسلط له عليهم لأنهم في رعاية الحق وعنايته لا يقدر ان يوسوسهم للتردد في الإيمان ولكن يوسوسهم من جهة الشهوات الدنياوية فإذا صبح أنوار شمس جلاله على وجوههم وقلوبهم وأرواحهم يحترق الشيطان عند القائه إليهم حتى أفاقوا فإذا افاقوا يقصد إليهم أيضا بالوسواس فإذا استعانوا بالله من شره وآووا إليهبالتوكل احتبس الملعون في مكانه يذوب كما يذوب الملح في الماء قال أبو حفص من أراد ان لا يكون للشيطان عليه سبيل فليصحح إيمانه وليصحح بالإيمان التوكل عليه ولإيمان هو ان لا يرجع في السراء والضرّاء إلا إليه ولا يرضى بسواه عوضا عنه والتوكل هو الثقة بمضمون الرزق كثقتك بمعلومك وهذا تفسير قوله انه ليس له سلطان قال النصرابادى من صحح نسبته مع الحق لا توثر بعد ذلك عليه منازعة طبع ولا وسوسة شيطان ثم بيّن ان سلطانه على من {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} معنى سلطان الشيطان الحيل والمكر والخديعة والوسواس لا أنه يطيق ان يضل أحدا من خلق الله بغير اذن الله لأنه تعالى يضل بنفسه ويهدى بنفسه ليس له شريك فيها إذ هو منفرد بالوحدانية الأزلية وتسلطه انما على من اضله الله في الأزل وتسلطه اغراه وزيادة الوسوسة لمن تابعه وتابع هواه وأما للمسلمين والمؤمنين فمن جهة مراد النفس لا للكفر والضلالة لأنه يغويهم إلى زيادة المعصية قال بعضهم من اتبع هواه فقد تولى الشيطان ومن ركن إلى الدّنيا فقد اتبعه ومن أحب الرياسة فقد اتبعه ومن خالف ظاهر العلم فقد تولاه ومن خان المسلمين فقد جعل للشيطان عليه سبيلا ومن ركب شيئا من المخالفات ظاهرا وباطنا فقد أهلك نفسه ومن تولى الشيطان فقد تبرء من الحق.