فأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بهداهم.
وأما قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [سورة القلم: 48] ،
فهو نهي عن التشبه به في أمر خاص، وهو لا ينافي التشبه به في سائر أنواع الهدى.
قال قتادة في قوله تعالى: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [سورة القلم: 48:
لا تعجل كما عجل، ولا تغاضب كما غاضب. رواه الإمام أحمد في"الزهد"، وغيره.
ثم المشار إليهم بقوله تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} [سورة الأنعام: 89] .
قال ابن عباس: هم أهل مكة.
وقيل: هم قريش.
وقيل: كفار عصره - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله: {بِهَا} ، بالثلاثة المذكورة؛ وهي: الكتاب والحكم والنبوة.
أو المراد بها: الشرائع التي دان بها هؤلاء الأنبياء عليهم السلام؛ أي: ما اجتمعوا عليه من الملة، وهي أصول التوحيد.
وقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا} [سورة الأنعام: 89] أي: بحفظها، ودعايتها، والعمل بها، والإيمان بها.
والمراد بالتوكيل التوفيق لهذه الأمور قوماً ليسوا بها بكافرين.
قال ابن عباس: هم الأنصار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وروى نحوه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيِّب.
وقيل: هم والمهاجرون.
وقال قتادة: هم النبيون الثمانية عشر الذين قص الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وغيرهما.
وقيل: غيرهم من الأنبياء ليقتدوا بهم، ويدل عليه قوله: أُولَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [سورة الأنعام: 90] .
وقال أبو رجاء: هم الملائكة. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وغيرهما.
وعلى هذين القولين فالأنبياء، والملائكة عليهم السلام مأمورون بالتشبه بالصالحين، موكلون بالاستنان بسنتهم.
وقال بعضهم: هو عام في كل مؤمن من الإنس والجن والملائكة.
فكلهم على هذا موكلون بإقامة سنة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام من أصول التوحيد، ومكارم الأخلاق.
وهذا هو المختار عندي.
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [سورة الأنعام: 90] .