ـ وفى قوله تعالى: «وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» تعريض بالمشركين من أهل مكة، إذ كانوا يدّعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم .. فكيف يكونون على شريعته، وهم مشركون، وهو الحنيف، الذي لم يكن فِي يوم من أيامه من المشركين؟
وقوله تعالى: «شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..
هو معطوف على خبر كان فِي قوله تعالى: «كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً .. » أي وكان شاكرا لأنعم ربه، إذ اجتباه ربه، أي اصطفاه لرسالته، وأخرجه من عالم الكفر المتكاثف حوله، وهداه إلى الحق، والخير، والإيمان ..
وفى هذا تعريض باليهود، الذين خرجوا على شريعة أبيهم إبراهيم خروجا صارخا، فكفروا بأنعم اللّه، ومكروا بآياته، وكذبوا رسله، وتنكبوا طريق الحق، وركبوا طرق الضلال.
قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» ..
هو عطف على قوله تعالى: «اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» :
وفى الحديث عن اللّه سبحانه وتعالى بضمير الغيبة فِي قوله تعالى: «اجْتَباهُ وَهَداهُ» .. ثم الحديث عنه تعالى بضمير الحضور «و آتيناه» .. إشارة إلى تلك المنزلة التي بلغها إبراهيم عند ربه، بعد أن اصطفاه لرسالته، وهداه إلى دينه .. فقد استقام إبراهيم على هذا الطريق المستقيم، مجتهدا فِي الطاعة، مخلصا فِي العبادة، حتى اتخذه اللّه سبحانه وتعالى خليلا له، وأقبل عليه بعطاياه ومننه:
«وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً» .. فهو عطاء كريم تناوله من ربه من غير واسطة.
والحسنة التي آتاها اللّه سبحانه وتعالى إبراهيم، هي على إفرادها وتنكيرها، تسع ببركتها وخيرها، الناس جميعا .. ومن ثمرات هذه الحسنة هذا الذّكر الطيب الذي لإبراهيم فِي هذه الدنيا، حيث كان من ذريته الأنبياء، ومنهم: