قد بين سبحانه ما أحله وما حرمه، ولكنهم كانوا يحرمون ما أحل اللَّه، وينسبون التحريم إليه سبحانه وقد كذبهم اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) نذكر أوجه التخريج النحوي في الآية الكريمة وننتهي إلى وجهين نذكرهما:
الوجه الأول - أن (الْكَذِبَ) مفعول لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا) ، أي لا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم، وقوله تعالى: (هَذَا حلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) و (هَذَا) بدل من (الْكَذِبَ) ، ويكون المعنى ولا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة، وهذا حكم عليهم بالكذب في ادعائهم الحلال والحرام من غير حجة ولا علم.
الوجه الثاني - أن يكون الكذب مفعولا للمصدر، ويكون المعنى ولا تقولوا لوصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ومؤدى التوجيهين أنه لَا يصح أن تقولوا هذا حلال وهذا حرام، فإن ذلك الوصف هو الكذب بعينه ما دام لم يجئ من اللَّه بيان فيه، ولأنه قد ثبت ما أحل وما حرم، فما عدا ما قاله اللَّه باطل باطل، ولذا قال تعالى: (لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) ، (اللام) هنا هي لام الصيرورة أو لام العاقبة، والمعنى لَا تفعلوا ذلك؛ لأن العاقبة أن تفتروا على اللَّه الكذب. (افترى) أي قصد باهتا الكذب وتعمده وأزاد، وقد ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) أكد سبحانه بأنه لَا يفلح الذين يقصدون الكذب على اللَّه تعالى ويتعمدون ويبهتون الناس بالكذب عليه سبحانه، وذلك لأنهم يكونون قد مردوا على الكذب، وفسدت مداركهم إذ ماعت نفوسهم فصارت لَا تتجه إلى الحقائق ولا تستقر فيها الحقائق، ولا يؤمنون بحق، ولا يرفضون الباطل، إذ من تصل حاله إلى الكذب على اللَّه لَا يمكن أن يفوز في أمر من الأمور؛ ولذا قال: (لا يُفْلِحُونَ) ، أي ليس من شأنهم أن يفوزوا.