وقال ابن العربي كره مالك وقوم أن يقول المفتي هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى عليه ، ويقال في مسائل الاجتهاد ؛ إني أكره كذا وكذا ونحو ذلك فهو أبعد من أن يكون فيه ما يتوهم منه الافتراء على الله سبحانه {إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب} في أمر من الأمور {لاَ يُفْلِحُونَ} لا يفوزون بمطلوب.
{متاع قَلِيلٌ} أي منفعتهم التي قصدوها بذلك الافتراء منفعة قليلة منقطعة عن قريب فمتاع خبر مبتدأ محذوف و {قَلِيلٌ} صفته والجملة استئناف بياني كأنه لما نفي عنهم الفوز بمطلوب قيل: كيف ذلك وهم قد تحصل لهم منفعة بالافتراء؟ فقيل: ذاك متاع قليل لا عبر به ويرجع الأمر بالآخرة إلى أن المراد نفي الفوز بمطلوب يعتد به ، وإلى كون {متاع} خبر مبتدأ محذوف ذهب أبو البقاء إلا أنه قال: أي بقاؤهم متاع قليل ونحو ذلك.
وقال الحوفي: {متاع قَلِيلٌ} مبتدأ وخبر ، وفيه أن النكرة لا يبتدأ بها بدون مسوغ وتأويله بمتاعهم ونحوه بعيد {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} لا يكتنه كنهه.
{وَعَلَى الذين هَادُواْ} خاصة دون غيرهم من الأولين {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي من قبل نزول هذه الآية وذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] الآية ، والظاهر أن {مِن قَبْلُ} متعلق بقصصنا وجوز تعليقه بحرمنا والمضاف إليه المقدر ما مر أيضاً.
ويحتمل أن يقدر {مِن قَبْلُ} تحريم ما حرم على أمتك ، وهو أولى على ما قيل ، وجوز أن يكون الكلام من باب التنازع ، وهذا تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالف من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك ، فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح.
وإبراهيم.