ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا {وَمَا ظلمناهم} بذلك التحريم {ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث فعلوا ما عوقبوا عليه بذلك حسبما نعى عليهم قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] الآية ، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة.
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء}
هو ما يسئ صاحبه من كفر أو معصية ويدخل فيه الافتراء على الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه الشرك ، والتعميم أولى {بِجَهَالَةٍ} أي بسببها ، على معنى أن الجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك ، وفسرت الجهالة بالأمر الذي لا يليق ، وقال ابن عطية: هي هنا تعدى الطور وركوب الرأس لا ضد العلم ، ومنه ما جاء في الخبر"اللهم أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل على"وقول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا...
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
نعم كثيراً ما تصحب هذه الجهالة التي هي بمعنى ضد العلم ، وفسرها بعضهم بذلك وجعل الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين بجهالة غير عارفين بالله تعالى وبعقابه أو غير متدبرين في العواقب لغلبة الشهوة عليهم {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد ما عملوا ما عملوا ، والتصريح به مع دلالة {ثُمَّ} عليه للتوكيد والمبالغة {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح ، وفسر بعضهم الإصلاح بالاستقامة على التوبة {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي التوبة كما قال غير واحد ، ولعل الإصلاح مندرج في التوبة وتكميل لها.