إن المشركين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب. لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني ، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي. وأنه الرسالة الأخيرة التي ليست بعدها من السماء رسالة ؛ وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع. فإذا بدل آية انتهى أجلها واستنفدت أغراضها ، ليأتي بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة ، وأصلح للبقاء بعد ذلك الدهر الطويل الذي لا يعلمه إلا هو ، فالشأن له ، ومثل آيات هذا الكتاب كمثل الدواء تعطى للمريض منه جرعات حتى يشفى ، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية.
إن المشركين لا يدركون شيئاً من هذا كله ، ومن ثم لم يدركوا حكمة تبديل آية مكان آية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فحسبوها افتراء منه وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذباً قط. {بل أكثرهم لا يعلمون} ..
{قل: نزله روح القدس من ربك بالحق} .. فما يمكن أن يكون افتراء. وقد نزله {روح القدس} جبريل عليه السلام {من ربك} لا من عندك {بالحق} لا يتلبس به الباطل {ليثبت الذين آمنوا} الموصولة قلوبهم بالله ، فهي تدرك أنه من عند الله ، فتثبت على الحق وتطمئن إلى الصدق {وهدى وبشرى للمسلمين} بما يهديهم إلى الطريق المستقيم ، وبما يبشرهم بالنصر والتمكين.
{ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وهذا لسان عربي مبين} ...
والفرية الأخرى بزعمهم أن الذي يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا القرآن إنما هو بشر. سموه باسمه ، واختلفت الروايات في تعيينه.. قيل: كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش ، وكان بياعاً يبيع عند الصفا ، وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء ، وذلك أعجمي اللسان لا يعرف العربية ، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه.