ولقد ترك القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين أثراً قوياً وطابعاً عاماً في هذه الناحية ظل هو طابع التعامل الإسلامي الفردي والدولي المتميز.. روي أنه كان بين معاوية بن أبي سفيان وملك الروم أمد ، فسار إليهم في أخر الأجل. (حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون) فقال له عمر بن عتبة: الله أكبر يا معاوية. وفاء لا غدر. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها"فرجع معاوية بالجيش. والروايات عن حفظ العهود مهما تكن المصلحة القريبة في نقضها متواترة مشهورة.
وقد ترك هذا القرآن في النفوس ذلك الطابع الإسلامي البارز. وهو يرغب ويرهب ، وينذر ويحذر ويجعل العهد عهد الله ، ويصور النفع الذي يجره نقضه ضئيلاً هزيلاً ، وما عند الله على الوفاء عظيماً جزيلاً: ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً.
إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون.. ويذكر بأن ما عند البشر ولو ملكه فرد فإنه زائل ، وما عند الله باق دائم: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} ، ويقوي العزائم على الوفاء ، والصبر لتكاليف الوفاء ، ويعد الصابرين أجراً حسناً {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} والتجاوز عما وقع منهم من عمل سيئ ، ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه.
وبمناسبة العمل والجزاء ، يعقب بالقاعدة العامة فيهما:
{ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} .. فيقرر بذلك القواعد التالية: