فبعد أن توعّدهم بقوارع الوعيد بقوله: {ولهم عذاب أليم} [سورة النحل: 104] وقوله: {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [سورة النحل: 106] إلى قوله {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} [سورة النحل: 109] عاد الكلام إلى تهديدهم بعذاب في الدنيا بأن جعلهم مضرب مثل لقرية عذبت عذاب الدنيا ، أو جعلهم مثَلاً وعظة لمن يأتي بمثل ما أتوا به من إنكار نعمة الله.
ويجوز أن يكون المعطوف عليها جملة {يوم تأتي كل نفس} [سورة النحل: 111] الخ.
على اعتبار تقدير (اذكر) ، أي اذكر لهم هول يوم تأتي كل نفس تجادل الخ.
وضرب الله مثلاً لعذابهم في الدنيا شأن قرية كانت آمنة الخ.
و {ضربَ} : بمعنى جعل ، أي جعل المركّب الدّال عليه وكوّن نظمه ، وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقال: أرسل فلان مثلاً قوله: كيْت وكيْت.
والتعبير عن ضرب المثل الواقع في حال نزول الآية بصيغة الماضي للتشويق إلى الإصغاء إليه ، وهو من استعمال الماضي في الحال لتحقيق وقوعه ، مثل {أتى أمر الله} [سورة النحل: 1] أو لتقريب زمن الماضي من زمن الحال ، مثل قد قامت الصلاة.
ويجوز أن يكون {ضرب} مستعملاً في معنى الطلب والأمر ، أي اضرب يا محمد لقومك مثلاً قرية إلى آخره ، كما سيجيء عند قوله تعالى {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء} في سورة الزمر (29) .
وإنما صيغ في صيغة الخبر توسّلاً إلى إسناده إلى الله تشريفاً له وتنويهاً به.
ويفرّق بينه وبين ما صيغ بصيغة الطلب نحو {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية} [سورة يس: 13] بما سيذكر في سورة الزمر فراجعه.
وقد تقدّم في قوله تعالى: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً} في سورة البقرة (26) ، وقوله في سورة إبراهيم (24) {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة} وجُعل المثلُ قريةً موصوفة بصفات تبيّن حالها المقصود من التمثيل ، فاستغني عن تعيين القرية.