فهذا التفسير المذكور في آية (الرعد) هذه ، والتفسير المذكور قبله في آية (الدخان) - يدل على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق والجوع ، وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف. كما قال في القرية المذكورة {كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} . وقوله في القريه المذكورة {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ} الآية - لا يخفي أنه قال مثل ذلك عن قريش في آيات كثيرة. كقوله {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] الآية ، وقوله {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] الآية.
والآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جداً كقوله: {أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] {وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] الآية ، وقوله: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} [الفرقان: 41 - 42] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
فمجموع ما ذكرنا قول من قال: إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلاً في آية (النحل) ، هذه: هي مكة.
وروي عن حفصة وغيرها:"أنها المدينة ، قالت ذلك لما بلغها قتل عثمان رضي الله عنه"وقال بعض العلماء: هي قرية غير معينت ، ضربها الله مثلاً للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق ، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول: إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً} الآية.