وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ وَتَلَفِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَلَا يَشْرَبَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ آثِمًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ فَقَالَ: {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ الْمَيْتَةَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَتَّى مَاتَ جُوعًا كَانَ آثِمًا بِمَنْزِلَةِ تَارِكِ أَكْلِ الْخُبْزِ حَتَّى يَمُوتَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ فِي أَنَّ تَرْكَ إعْطَاءِ التَّقِيَّةِ فِيهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ تَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ فَمَتَى أَبَاحَهُ السَّمْعُ فَقَدْ زَالَ الْحَظْرُ وَعَادَ إلَى حُكْمِ سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ ، وَإِظْهَارُ الْكُفْرِ مَحْظُورٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ لَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ لِلضَّرُورَاتِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ إظْهَارُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى الْمَعَارِيضِ وَالتَّوْرِيَةِ بِاللَّفْظِ إلَى غَيْر مَعْنَى الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لِمَعْنَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ اللَّفْظُ بِمَنْزِلَةِ لَفْظِ النَّاسِي وَاَلَّذِي يَسْبِقُهُ لِسَانُهُ بِالْكُفْرِ ، فَكَانَ تَرْكُ إظْهَارِهِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ إظْهَارُهُ عِنْدَ الْخَوْفِ.