جعل الاستطاعة ميزاناً للعمل ، فالمشرّع سبحانه حين يرى أن الاستطاعةَ لا تكفي يُخفّف عنَّا الحكم ، حتى لا يُكلِّفنا فوق طاقتنا ، كما في صيام المريض والمسافر مثلاً ، وقد قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ...} [البقرة: 286] .
وقال: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} [الطلاق: 7] .
فليس لنا بعد ذلك أنْ نلويَ الآيات ونقول: إن الحكم الفلاني لم تَعُدْ النفس تُطيقه ولم يَعُد في وُسْعنا ، فالحق سبحانه هو الذي يعلم الوُسْع ويُكلّف على قَدْره ، فإنْ كان قد كلّف فقد علم الوُسْع ، بدليل أنه سبحانه إذا وجد مشقة خفَّف عنكم من تلقاء نفسه سبحانه ، كما قال تعالى: {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً . .} [الأنفال: 66] .
ففي بداية الإسلام حيث شجاعة المسلمين وقوتهم ، قال تعالى:
{إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] .
أي: نسبة واحد إلى عشرة ، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ضَعْفاً ، قال: {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ . .} [الأنفال: 66] .
أي: نسبة واحد إلى اثنين . فالله تعالى هو الذي يعلم حقيقة وُسْعنا ، ويُكلِّفنا بما نقدر عليه ، ويُخفِّف عَنَّا عند الحاجة إلى التخفيف ، فلا يصح أنْ نُقحِم أنفسنا في هذه القضية ، ونُقدّر نحن الوُسْع بأهوائنا .
ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديماً لا يعطون الآباء شيئاً من المال على اعتبار أن الوالد مُنْته ذاهب ، ويجعلون الحظ كله للأبناء على اعتبار أنهم المقبلون على الحياة .